جولة في مدينة الرصاص .. بقلم/ د. أحمودة خليفة

2013-12-25


       تحت جناح الظلام و بعد أن حلقت بنا الطائرة على أرتفاع منخفض على بيوت عامرة بالرشاشات حطت على أرض المطار بسلام، توجهنا بعدها الى قاعة الإستقبال التي تبدو هادئة و يبدوا معها ايضا العاملون أنهم طيبون و بسطاء ولو أن علامات الإستفهام الصامتة التي تبدو على وجوه الجميع هي اللغة السائدة، توجهنا الى مقر الإقامة و على جدران المنازل التي مررنا بينها يقرأ المرء عناوين الحرب الكلامية، الشئ الملفت الذي لاحظته أني لم أسمع للتو أصوات الرصاص، و تمعنت قليلا في ذلك ثم سألت صديقي وهو أحد القاطنين بالمدينة فرد على الفور بأن الرصاص أرتفعت أسعاره و بدأ يحسب لقيمة الرصاصة الواحدة، وعليه أن يدخرها لأصعب الظروف أو لأعلى الأسعار، ثم أضاف إذا سمعت صوت الرصاص فإنه قتال بين طرفين و ليس لغرض الترفيه.

      في صباح اليوم التالي طلبت من صديقي المضيف أن نسير في جولة بين أحياء المدينة، و بعد أن ركبنا السيارة وجدنا الزجاج مكسور فسألته عن السبب فقال لي هذا حدث أمس فقط في وقت الظهيرة و في وسط الجامعة، فقلت له أذن السرقات تحدث حتى في الأماكن العامة, فقال اللصوص يسرقون أمام الناس و لا أحد يتدخل لأن الأغلبية مسلحين و من هوالذي يعرض حياته للمخاطرة ليتصدى للص؟ فسألته و ماذا يسرقون من السيارات؟ فأجاب من فوره أي شئ من الهواتف و السلاح و الذخائر الى الأموال أو حتى أوراق السيارة لإستعمالها في تهريب السيارات المسروقة.

      طلبت من صديقي الذهاب الى القلعة الأثرية التي تقع الى جانب المدينة، فقال سمعت بأنها صارت ممنوعة الزيارة  ولكن لنجرب، بعد دقائق وصلنا الى مجموعة من المسلحين تقف عند مدخل القلعة أسفل الجبل، طلبنا منهم أن يسمحوا لنا بزيارة القلعة فرفضوا على الفور و قالوا بأن القلعة تحت الصيانة، فقلت لهم أنا أتيت من مكان بعيد و أريد زيارتها لدقائق و حسب الممكن، فأتى العسكري الآخر ووجهه مقطب وهو ينزل بندقيته من على كتفه و قال بصوت أكثر حزم و صرامة  و بلهجة تباوية " قلعة ممنوع".

      فهم صديقي اللغة سريعا و أدار السيارة الى الخلف في صمت و بعد أن أبتعدنا أوضح لي بأنه ربما يوجد قناصة على أعلى التلّة تحسبا لأي طارئ و لذلك كانت الحراسة عليها مشددة، بعدها طلبت منه أن نذهب الى الحي العجيب الغريب الذي حدثني عليه سابقا، فقال لي إنها مغامرة كبيرة فربما نفقد كل ما لدينا و حتى هذه السيارة، أنه حي تحت حراسة مشددة من قبل أشخاص يروننا و لا نراهم، و نحن على قرب من ذلك الحي المرعب قال لي أتنظر الى تلك الغابة من المنازل المهجورة، فقلت نعم يبدوا أنها منازل حديثة البناء و لم تكتمل، فتابع قائلا: لقد أختفى بعض الناس من المدينة ووجدوهم مقتولين أو مذبوحين في ذلك الخراب. أبتعدنا في صمت و أخذنا طريقنا بين مزارع النخيل الجميلة الهادئة ثم سألته من هم سكان ذلك الحي " السري العجيب"؟  فأجاب يقال بأنهم غرباء و خليط غير معروف من أجناس من مالي   والنيجر، ثم قال: دخلته مرة فشعرت بأنني في عالم آخر، اللون، اللغة، السكن، الفقر، شبكة من خيوط الكهرباء العارية   والممتدة تحت الأرض و فوقها، مياه الصرف الصحي ، السلاح، البضائع الغريبة، و غيره.

      والوقت يشير إلى ما بعد العصر دخلنا إلى المدينة من زاوية أخرى و قال لي صديقي هذا هو "جامع الرملة" الذي يسكن بجانبه أحد الأقرباء الذي أتينا لزيارته، بالتحديد فهذا الحي يتشكّل من أطياف مختلفة من القبائل شديدة المراس      ومسلحين بشكل جيد، و الناس يعرفون بعضهم البعض و يشكّلون فيما بينهم دوائر لحماية أنفسهم من المخاطر، و لكن في المقابل فحوادث القتل بينهم لا تنقطع و كلما أحتووا حادثة تولد لهم أخرى كالشيطان أكثر بشاعة و تجعلهم يضعون أصابعهم على الزناد.

      أستقبلنا السيد الذي أتينا لزيارته ورحب بنا وأنزلنا في ضيافته وعند وقت الغروب أبلغني بأن العشاء والمبيت سيكون عنده في بيته وذلك لقضاء الوقت في الحديث حول ما يدور حولنا من أحداث في مجتمعنا وبلادنا، بعد تناولنا لوجبة العشاء الدسمة والحديث حول الجديد من الأخبار على كاسات الشاي الأخضر ذو الصنف الخاص المستورد من النيجر بدأنا نخلد الى الهدوء، وفي ساعة متأخرة من الليل أطفأنا الأنوار وتركني صاحب البيت للنوم في صالون الضيافة،مرّت دقائق و فجأة أستيقضت من الفزع و لم أنتبه إلا و أجد نفسي واقفا و أصوات الرصاص تصم الآذان و كأنها معركة حقيقية على أبواب المنزل، بعنف أنفتح باب الصالون الحديدي ودلف الى الداخل شخص في الظلام يحمل السلاح وأقفل الباب على الفور من خلفه وقال لي لنستعد للدفاع إذاهاجمونا، وأنا واقف وفي حالة من الدهشة من إطلاق الرصاص      وسحب الأقسام فكّرت أن أطلب بندقية في هذه المعركة الليلية، و لكن تذكّرت بأني غير متدرب على القتال الليلي، فهي معركة بين الأشباح في هذه الليلة حالكة السّواد، وبعد عدة دقائق أبتعدت أصوات الرصاص ورجع الهدوء،سيطر الصمت وبعدها قضيت بقية الليل أفكّر في حال الحياة هنا و كأنها مسرح للمعارك في هذه المدينة ؛ مدينة الرصاص مدينة سبها،  و في اليوم التالي أخبرونا بأن ما حدث البارحة كان قتال ومطاردة بين أفراد من قبيلتين بينهما تصفية حسابات.  

 
   
الإسم
البريد الإلكتروني
نص التعليق
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ،
ويحتفظ موقع ' صحيفة الوطن الليبية ' بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أو خروجا عن الموضوع المطروح ، علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .